ابن حمدون

380

التذكرة الحمدونية

استخرتم اللَّه عزّ وجلّ مفكَّرين في بعد الطريق أو قربها ، فإنها إن دنت أدنت البغية ، وإن نأت هيّجت الشهوة ، وأن لا تخفّفوا الأكل مما حضر ، طمعا في ما يأتي وينتظر ، وإن كنتم له محققّين ، ومن وروده على يقين ، فللطعام اغتنامات ، وللتأخير آفات ، وربما أفسد الطبّاخ ما تراعون ، وطرقت صاحب المنزل نائبة في عرض ما تأكلون ، وأخطأتم في الحساب ، وحصلتم على تجويع الارتقاب . وهذا سفه في العقل ، وركوب غرر في فوت الأكل . وأن تتخيّروا من المواضع أفسحها ، ومن المجالس أفيحها ، لتكون معدكم مطمئنة هادية ، وأيديكم ذاهبة جائية ، فلا يتعذّر عليكم ، تناول ما قرب من الأطعمة إليكم . وإن كان لأحدكم قريب ، وولد أو نسيب ، قرب منه أو بعد ، فلا يتنغّص له ، ويتمنّى أن يشاركه في ما أكله ، فان ذلك مشغلة عن الاستكثار ، ومقطعة عن الاحتكار ، ودلالة على وهي العزم وضعفه ، وإظهار لقلة [ 1 ] الرأي وسخفه ، بل يستجدّ لذكراه أكلة مفردة ، ويستأنف من جرّاه شهوة مجددة ، فإنّ ذلك أدخل في باب التطفيل ، وأولى بذوي الرأي الأصيل . وان تجعلوا السكباج مفتاح الفم ، وتعظموها تعظيم الأب والأمّ ، فإنها القدر المحبوبة ، والشهوة المطلوبة ، والعلق الصّبور ، واللون الذي لا يبور . وأن تبالغوا في الإمعان ، عند حضور الفرصة والإمكان ، في أفخاذ الفراريج ولصيقها ، وصدور الدراريج بعد تعليقها ، فإنها المنظر الأنيق لذي عين ، واللذة القصوى لصاحب ماضغين . وأن تعتمدوا أكل الهرائس ، عاريات من الملابس ، خاليات من الجزمازج والجرادق ، منقولات بالأصابع والملاعق ، فإن فيها معنى الخبز [ 2 ] ، من لباب البرّ والأرزّ ، ولا فائدة في هذا التكرار ، العائد بالتملَّي والاستضرار [ 3 ] .